عبدالرحمن الصلاحي يكتب: مصر الحديثة.. صانعة القرار في زمن العواصف
في خضم الاضطرابات الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، تقف جمهورية مصر العربية كصخرة راسخة في بحر متلاطم الأمواج. هذه المكانة لم تأتي من فراغ، بل صُنعت بإرادة فولاذية ورؤية ثاقبة لزعيم يعرف كيف يبني الدول في أحلك الظروف.
في زيارته التاريخية الأخيرة للقاهرة، لم يخفِ رئيس فنلندا دهشته وهو يقارن بين مصر التي زارها وزيرًا للخارجية عام 2009، ومصر التي وقف على أرضها اليوم. لقد عبّر الرجل، وهو الدبلوماسي المخضرم، عن صدمته الإيجابية قائلاً: "أنا لم أعرف الدولة المصرية". لم تكن هذه الكلمات مجرد مجاملة دبلوماسية لرئيس دولة، فمنطق المصالح والإستثمار لا يعرف المجاملات. لقد كان يتحدث عن واقع ملموس، عن طفرة هائلة في الطرق والكباري، في المطارات والموانئ، في المدن الذكية التي ولدت من العدم، وفي بنية تحتية لم تعد تعكس دولة نامية تكافح، بل دولة عظمى تبني مستقبلها بعيدًا عن ضوضاء العواصف.
إن ما تحقق في مصر خلال السنوات الماضية تحت قيادة الرئيس السيسي هو إعجاز دولة بكل المقاييس. بينما كان العالم ينظر إلى المنطقة على أنها برميل بارود، كانت مصر تحفر في الصخر لبناء "دلتا جديدة"، وتشق الطرق لتؤمن شرايين الاقتصاد، و الأمن القومي العربي برمته. لقد نجحت القاهرة، في ظل ظروف إستثنائية لم يشهدها العالم من قبل، في إعادة توجيه الدعم، وضبط إيقاع الاقتصاد، وتأمين مصادر الطاقة المختلفة، لتتحول من دولة تكافح لتلبية إحتياجاتها إلى دولة تؤمن إحتياجاتها وتصدر الأمل.
نحن في اليمن، وفي مركز البحر الأحمر للدراسات، ندرك أكثر من غيرنا قيمة هذه النهضة المصرية. إن أمن البحر الأحمر، هذا الممر المائي الحيوي الذي يربط العالم، هو إمتداد طبيعي للأمن القومي المصري. لقد كان الموقف المصري التاريخي الداعم للدولة اليمنية ووحدتها وسيادتها، ورفض أي وصاية خارجية على أرضنا، تجسيدًا حقيقيًا لعروبة المسؤولية. فمصر التي تحمي ممرات الملاحة الدولية من التهديدات، وتقف سدًا منيعًا أمام محاولات زعزعة إستقرار أشقائها، كانت وما زالت الضمانة الكبرى لعدم تحول البحر الأحمر إلى بحيرة للفوضى.
ولأن البوصلة المصرية لا تحيد عن بوصلتها العربية، فإن عقيدة الأمن القومي المصري التي أرساها الرئيس السيسي لم تفرق يومًا بين أمن مصر وأمن أشقائها. لقد قالها الرئيس بوضوح لا يحتمل التأويل: "أمن الخليج من أمن مصر"، و"أمن الخليج والسودان خط أحمر". هذه الكلمات تترجم عقيدة راسخة وموقف إستراتيجي ثابت. فعندما تعرض السودان الشقيق لأزمته، تحركت الدبلوماسية المصرية ليس فقط كوسيط، بل كسند حقيقي للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية ومنع انهيارها، إيمانًا بأن السودان المستقر هو عمق إستراتيجي لمصر، وأن أي تهديد يطال الخرطوم هو تهديد مباشر للأمن القومي في القاهرة. وعلى الجبهة الخليجية، تقف مصر كحارس أمين للبوابة الشرقية للعالم العربي، رافعة شعار التضامن الكامل مع أشقائها في مجلس التعاون الخليجي، وداعمة بكل السبل والوسائل لأمنهم وإستقرارهم في مواجهة كل التهديدات والمخاطر، إنطلاقًا من إيمان مطلق بأن أمن العرب كل لا يتجزأ، وأن مصر هي القلب النابض لهذا الجسد العربي الواحد.
وعلى الجبهة الأخرى، حيث تتآمر الأطماع لتصفية القضية الفلسطينية، كان الصوت المصري هو صوت الحق الذي لا يلين. في كل المحافل الدولية، وأمام كل الضغوط، ظل الموقف المصري ثابتًا: لا لتهجير الفلسطينيين، نعم لقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. هذه هي سياسة مصر الدولة صانعة القرار الإقليمي، دولة تدرك أن أمنها القومي يبدأ من أمن أشقائها، وأن إستقرار الإقليم يمر حتمًا عبر بوابات القاهرة.
إن النهضة التي قادها الرئيس السيسي لم تكن فقط في الأسمنت والحديد، بل في العقل والموقف. لقد استطاع أن ينتزع لمصر دورها الريادي في صناعة السياسة العالمية. من خلال عضويتها في التجمعات الدولية الكبرى، ومن خلال دبلوماسية هادئة وراسخة، أصبحت مصر رقماً صعباً في معادلات الشرق الأوسط لا يمكن تجاوزه. إنها الدولة التي تفرض إحترامها بقوة جيشها، وبحكمة قيادتها، وبحجم بنيتها التحتية التي تذهل زوارها.
اليوم، وبينما يواجه العالم حربًا إقتصادية وأمنية طاحنة، تنظر مصر إلى الأمام. إنها تبني جسورًا مع القوى الدولية الصاعدة، وتفتح آفاقًا استثمارية مع الدول في مختلف المجالات، وتصنع تحالفات إستراتيجية تتجاوز الحسابات الضيقة. لقد أثبتت التجربة أن الرهان على مصر هو الرهان الرابح، وأن الدولة التي تنهض في زمن الإنهيار هي الدولة الوحيدة القادرة على قيادة سفينة المنطقة إلى بر الأمان.
إن مصر الحديثة التي أذهلت رئيس فنلندا، هي نفسها مصر التي نعرفها في اليمن والسودان وليبيا وسوريا وفلسطين والخليج والعالم بأسره: الحصن الأخير للعروبة، وصانعة السلام، وحامية السيادة العربية. إنها دولة لا تنام، بقيادة رئيس "فارس مغوار" يحمل على عاتقه هموم أمة بأكملها، يسعى ليل نهار لإنهاء الأزمات، ويبني في صمت ليسمع العالم كله وقع خطوات النهضة المصرية على أرض الواقع.
المهندس عبد الرحمن عبدالله الصلاحي
نائب المدير الإقليمي لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية (اليمن)













