أحمد سمير «الفرعون الصغير».. الرجل الذي حوّل الغربة إلى قوة وصنع إمبراطورية مصرية خارج الحدود
هناك رجال أعمال ينجحون في جمع المال… وهناك رجال ينجحون في صناعة الأثر.
أما أحمد سمير سليمان، فقد اختار الطريق الأصعب: أن يحوّل اسمه إلى مشروع إنساني وإعلامي ورياضي وسياسي، وأن يجعل من وجوده خارج مصر امتدادًا حيًا لقوة بلده الناعمة.
قصة هذا الرجل ليست مجرد سيرة نجاح تقليدية، بل رحلة استثنائية لرجل رفض أن يكون مهاجرًا عاديًا، فقرر أن يصبح “واجهة مصرية” تتحرك بين العواصم العربية والأفريقية، وتترك بصمتها في كل مجال تدخله.
خمسة عشر عامًا كاملة أمام الكاميرا والميكروفون، جعلته من الأسماء المعروفة في المشهد الإعلامي، خاصة عبر برنامج “سهرة المشاهير” على قناة “تونسنا”، الذي تحول إلى نافذة عربية استضافت أسماء لامعة من الفن والثقافة والرياضة والسياسة.
ولم يتوقف حضوره عند الشاشة التلفزية فقط، بل صنع أيضًا تجربة إذاعية ناجحة عبر برامج متنوعة مثل:
“أسماء الله الحسنى”
“قصص الأنبياء”
“لمة عربية”
“تاريخ من ذهب”
إعلامي اقتحم الساحة التونسية وكسر القواعد
في واحدة من أكثر التجارب إثارة، استطاع أحمد سمير سليمان أن يفرض اسمه داخل الإعلام التونسي، في إنجاز لم يكن سهلًا على إعلامي غير تونسي.
وكانت المفاجأة الكبرى أنه أصبح أول إعلامي غير تونسي يقدّم برامج على قنوات وإذاعات تونسية، في سابقة عكست حجم الثقة التي حصدها، والقدرة الكبيرة على الاندماج والتأثير داخل مجتمع عربي مختلف.
رجل الأعمال الذي حمل “الفراعنة” إلى تونس
بعقلية لا تعترف بالمستحيل، دخل أحمد سمير سليمان عالم الأعمال مبكرًا، واختار أن تكون انطلاقته من تونس، حيث أسس أولى شركاته تحت اسم “الفرعون الصغير”، وهو الاسم الذي تحوّل لاحقًا إلى لقب رافقه في مختلف محطاته.
في مجالي الاتصالات والسياحة، نجح في بناء شبكة أعمال قوية، لكنه لم يتعامل مع الاستثمار بمنطق الربح فقط، بل حوّله إلى وسيلة للترويج لصورة مصر وتعزيز حضورها الاقتصادي والثقافي.
ومن أبرز مشاريعه، تأسيس شركة “عروس النيل”، كأول شركة سياحية متخصصة في الربط بين تونس ومصر، في خطوة كشفت عن رؤية تتجاوز التجارة إلى خدمة السياحة المصرية وتقوية العلاقات بين الشعبين.
“سفير بلا حقيبة”... جمع العرب تحت راية الأخوة
بعيدا عن السياسة الرسمية، اختار أحمد سمير سليمان أن يخوض معركة التقارب العربي بطريقته الخاصة.
فأسس “جمعيات الأخوة المصرية العربية الأفريقية العالمية”، التي حصلت على اعتماد رسمي في جنيف، لتتحول إلى منصة جمعت بين العمل الثقافي والاجتماعي والإنساني.
وكانت “جمعية الأخوة المصرية التونسية” واحدة من أبرز هذه التجارب، حيث لعبت دورًا كبيرًا في التقريب بين البلدين من خلال مئات الأنشطة الفنية والثقافية والرياضية والاجتماعية.
ولأن المشروع لم يكن شكليًا، توسعت الفكرة إلى فلسطين وليبيا وعدة دول أخرى، في تجربة جعلت منه أقرب إلى “سفير شعبي” يتحرك خارج الأطر التقليدية، مستعملًا الفن والرياضة والعمل الأهلي لبناء جسور بين الشعوب.
المصريون بالخارج… قضية آمن بها وحوّلها إلى مشروع دولة
في كل محطاته، ظل أحمد سمير سليمان مؤمنًا بأن المصري في الخارج ليس مجرد مهاجر يبحث عن لقمة العيش، بل طاقة وطنية قادرة على خدمة الدولة المصرية.
ومن هنا جاءت فكرة تأسيس “حركة شباب مصر بالخارج”، التي هدفت إلى ربط أبناء الجيلين الثاني والثالث من المصريين في المهجر بهويتهم الوطنية والثقافية.
ثم أطلق لاحقًا “حركة شباب مصر بالداخل والخارج لمكافحة الإرهاب”، في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات مصيرية، ليؤكد أن دوره لا يقتصر على النشاط الأهلي، بل يمتد إلى دعم استقرار الدولة وصورتها في الخارج.
كما تولى منصب نائب رئيس حزب الغد للعلاقات الخارجية وشؤون المصريين بالخارج، في تجربة عززت حضوره السياسي وربطت نشاطه المجتمعي بالمشهد الوطني المصري.
أحمد سمير والقضية الفلسطينية… حين يتحول الفن إلى صوت للذاكرة
قدّم أحمد سمير تجربة فنية وإنسانية لافتة من خلال مشاركته في بطولة وإنتاج فيلم «مفتاح»، أول فيلم سينمائي طويل يوثق معاناة القضية الفلسطينية منذ نكبة 1948 وصولا إلى أحداث إزة الأخيرة، حيث أعاد العمل طرح القضية الفلسطينية بلغة سينمائية بسيطة وصادقة، بعيدا عن المبالغات التجارية والإبهار المصطنع.
وجسّد أحمد سمير، إلى جانب نخبة من الفنانين التونسيين، معاناة الفلسطيني وتمسكه بحقه التاريخي في الأرض والعودة، ضمن عمل جعل من السينما أداة مقاومة تحفظ الذاكرة الفلسطينية من التزييف والنسيان. وأبرز الفيلم كيف يمكن للفن أن يتحول إلى رسالة إنسانية تدافع عن الحقيقة، وتواجه الروايات الزائفة، مؤكدا أن القضية الفلسطينية ستظل حاضرة في الوجدان ما دامت الكاميرا قادرة على نقل الألم والأمل للأجيال القادمة.
الرجل الذي صنع لعبة من الصفر… ثم وضع مصر على عرش العالم
لكن الإنجاز الأكثر جنونًا في مسيرة “الفرعون الصغير” كان رياضيًا.
فبينما يكتفي كثيرون بإدارة فرق أو اتحادات جاهزة، قرر أحمد سمير سليمان خوض تحدٍ مختلف تمامًا: إدخال رياضة “الميني فوتبول” إلى مصر من العدم.
بدأ المشروع كفكرة تبدو مستحيلة، لكنه سرعان ما تحول إلى واقع فرض نفسه بقوة داخل المحافظات المصرية، قبل أن يصل إلى الساحة الدولية.
وخلال سنوات قليلة فقط، أصبح:
رئيس الاتحاد المصري للميني فوتبول
رئيس الاتحاد العربي للميني فوتبول
نائب رئيس الاتحاد الدولي IMF
ولأن الرجل لا يؤمن بالمناصب الفخرية، جاءت الإنجازات مدوية:
تتويج مصر ببطولات أفريقيا والعرب، ثم الإنجاز التاريخي الأكبر… فوز منتخب مصر للسيدات بكأس العالم للميني فوتبول سنة 2025 في أربيل، بعد إسقاط البرازيل في النهائي، في لحظة صنعت تاريخًا جديدًا للرياضة المصرية.
من الميدان إلى الدراسات الاستراتيجية
ورغم كل هذه النجاحات، لم يكتفِ بالتجربة العملية، بل اختار أن يضيف إليها بعدًا أكاديميًا واستراتيجيًا.
فالتحقت بالأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا والاستراتيجية، وتحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والاستراتيجية، من خلال دراسة تناولت دور المصريين بالخارج في دعم الاقتصاد المصري باعتبارهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني.
وكأن هذه الرسالة كانت الترجمة الفكرية لمسيرته كلها… فهو لم يكن يرى في المغترب مجرد شخص يعيش خارج وطنه، بل مشروع قوة وتأثير يمكن أن يخدم الدولة المصرية في كل المجالات.
“الفرعون الصغير”… حكاية رجل لم يتعامل مع النجاح كمهنة بل كرسالة
ما يجعل تجربة أحمد سمير سليمان مختلفة فعلًا، أنها لم تُبنَ على مجال واحد.
فالرجل تنقل بين الإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والعمل الأهلي، والرياضة، والدراسات الاستراتيجية، دون أن يفقد خيطه الأساسي: خدمة صورة مصر وصناعة تأثير يتجاوز الحدود.
ولهذا، لم يكن مجرد رجل أعمال أو إعلامي أو مسؤول رياضي… بل مشروعًا مصريًا متحركًا، حمل وطنه معه أينما ذهب، ونجح في تحويل الغربة إلى منصة نفوذ ونجاح وإشعاع عربي ودولي.




















