عمرو خالد: تعلم فنون الحياة من آيات الصيام.. وأجمل طريقة تدير بها حياتك

قال الدكتور عمرو خالد، الداعية الإسلامي، إن آيات الصيام ليست قصرًا على شهر رمضان، وإنما تحمل مفاتيح تجعلك تعيش بها سائر الحياة.
واستلهم خالد في الحلقة السابعة والعشرين من برنامجه الرمضاني "دليل- رحلة مع القرآن"، مجموعة من القواعد والمعاني الروحية من آيات الصيام في القرآن، التي تساعد الإنسان على العيش بها بعد انتهاء شهر رمضان، وحتى نهاية العمر.
يقول تعالى: "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ* أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ* يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ* أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ* شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ* وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ* أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ".
مفاتيح تعلمك فنون الحياة
وأبرز خالد من الآيات السابقة مفاتيح تُعلّم فنون الحياة، على النحو التالي:
العبرة بالخواتيم
-"وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ": حث خالد على ضرورة الاهتمام بإكمال شهر رمضان حتى نهاية الثلاثين يومًا، وعدم التوقف عند ليلة السابع والعشرين (ليلة القدر)؛ وكأن الصيام يعلمك فنًا من فنون الحياة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالخواتيم".
وقال: "هناك إشارة من الله تعالى لنا، بأنه دائمًا ما تأتي الفتوحات في الخاتمة، وقد تكون لحظة غروب آخر شمس في رمضان هي لحظة إجابة دعائك، لذا، أدعو الله بأغلى الأدعية في آخر عشر دقائق من رمضان".
وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، ليُعرّفهم بالإسلام، ويدعوهم إلى حمايته والدفاع عنه، التقى في آخر أيام التشريق بستة من شباب الأنصار، وقال لهم: أفلا تجلسون أكلمكم، فأسلموا، فجاء الفتح في آخر لحظة في موسم الحج.
وأوضح أن السيدة هاجر بذلت أقصى جهدها في البحث عن الماء وأخذت تروح وتغدو سبعة أشواط، حتى نبع ماء زمزم تحت قدمي إسماعيل عليه السلام في نهاية الشوط السابع؛ وهذا دليل على أن الفتح يجيء في الخواتيم.
انتبه حتى لا يسرق رمضان منك
"أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ": تنبيه وتحذير لك، حتى لا يُسرق منك رمضان، فيُسرق منك عمرك، ثم تجني في النهاية الألم والحسرة على ما سُرِق منك. لذا، عليك ألا تدع شهر رمضان يُسرق منك، وعليك أن تدرك ما تبقى منه، حتى لا تنتبه في النهاية بعد أن يكون قد سرق منك.
كن شخصية سهلة
-"يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ": كن شخصية سهلة، فالله تعالى يريد منك أن تكون حياتك يسيرة خالية من التعقيد، لا تصعبّها على من حولك: أسرتك، أو مرؤوسيك، عليك أن تقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم: "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا".
كيف تعيش بالتقوى في رمضان وما بعده؟
-"لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ": أوضح خالد أن الهدف من صيام رمضان هو تحقيق التقوى، وبناءً عليه إذا أردت أن تعرف رمضان قُبِل أم لا، فانظر كيف تعيش بالتقوى بعد انتهاء رمضان، "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، إذا ما اخطأت: استغفر وتب تعود إلى الله، فالمتقون يخطئون، لكنهم يستغفرون ويتوبون، "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ".
تدرج في أهدافك
بين خالد أن الوصول إلى رمضان يأتي بالتدرج، حيث يسبقه شهر رجب إيقاظ للنفس، وفيه ليلة 27 رجب الإسراء والمعراج، يليه شعبان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وفيه ليلة النصف من شعبان، ليلة استجابة الدعاء، ومن ثم تدخل رمضان، ويرتفع السقف إلى ذروته في العشر الأواخر (ليلة القدر).
وأشار إلى أنه بين قوله تعالى: "لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ" و"لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ"، هناك أسقف عديدة بين الآيتين، ورمضان له عدة أسقف متدرجة: أوله رحمة، أوسطه مغفرة، آخره عتق من النار. ودعا إلى أن يضع الإنسان لنفسه هدفًا أو حلمًا كبيرًا يتدرج عبر مراحل متتابعة، حتى يظل الطموح حيًا متجددًا، ويستمر السعي دون أن يفتر أو ينطفئ.
يقول عمر بن عبدالعزيز: "إن لي نفسا تواقة، اشتقت يومًا أن أتزوج فاطمة بنت عبدالملك فتزوجتها، وتواقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فأدركتها، وإن نفسي الآن تواقة إلى الجنة، فأرجو أن أدركها بإذن الله".
وفي غزوة الأحزاب، صدح النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يضرب الصخرة بالمِعول، قائلاً: "الله أكبر، فُتحت فارس"، فهو يزرع في نفوس المسلمين هدفًا أكبر بعد أن أوشكوا على فتح مكة، ثم بعد الفتح، يقول: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وقد استمر ذلك الحلم قرونًا حتى تحقق.
ثم يرفع السقف، فيقول صلى الله عليه وسلم: "ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزًا يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر"
وبين خالد أن أعلى سقف هو الوصول إلى الله: الجنة، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع.
فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق".
فن التعامل مع النفس بذكاء
"أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ": قال خالد إن العلاقة الشخصية بين الزوجين بعد الإفطار حلال وصحيحة ولا تضر بالصيام، على العكس عند ممارستها خلال أداء مناسك الحج، حيث ينهى الله تعالى عن ذلك، فيقول: "الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ".
وفسر سبب ذلك، بأن الحج مدته 10 أيام، أما رمضان فمدته 30 يومًا، وقدرات التحمل تختلف في رمضان عن الحج. وهذا درس في الذكاء يعلمك متى تضغط على نفسك، ومتى تريحها؟، فالله تعالى يريد لك أن تعيش علاقات عائلية جميلة بعد الإفطار، من أجل أن تكون شخصية متوازنة، وليست شخصية حادة، محذرًا من الارتباط بالشخصيات الحادة.

